المقريزي

102

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

الشرطة أيضا في العسكر ، وقيل لها : الشرطة العليا ، وإلى جانبها بنى أحمد بن طولون جامعه الموجود الآن ، وسمي من حينئذ ذلك الفضاء بالعسكر ، وصار أمراء مصر إذا ولوا ينزلون به من بعد أبي عون ، فقال الناس من يومئذ : كنا بالعسكر ، وخرجنا إلى العسكر ، وكتب من العسكر ، وصار مدينة ذات محال ، وأسواق ودور عظيمة ، وفيه بنى أحمد بن طولون مارستانه « 1 » ، فأنفق عليه ، وعلى مستغله ستين ألف دينار ، وكان بالقرب من بركة قارون التي صارت كيمانا ، وبعضها بركة على يسرة من سار من حدرة ابن قميحة يريد قنطرة السدّ ، وعلى بركة قارون هذه كانت جنان بني مسكين ، وبني كافور الإخشيدي دارا أنفق عليها مائة ألف دينار ، وسكنها في رجب سنة ست وأربعين وثلاثمائة ، وانتقل منها بعد أيام عليها مائة ألف دينار ، وسكنها في رجب سنة ست وأربعين وثلاثمائة ، وانتقل منها بعد أيام لوباء وقع في غلمانه من بخار البركة ، وعظمت العمارة في العسكر جدّا إلى أن قدم أحمد بن طولون من العراق إلى مصر ، فنزل بدار الإمارة من العسكر ، وكان لها باب إلى جامع العسكر ، وينزلها الأمراء منذ بناها صالح بن عليّ بعد قتله مروان ، وما زال بها أحمد بن طولون إلى أن بنى القصر ، والميدان بالقطائع ، فتحوّل من العسكر ، وسكن قصره بالقطائع ، فلما ولي أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون بعد أبيه ، جعل دار الإمارة ديوان الخراج ، ثم فرّقت حجرا بعد دخول محمد بن سليمان الكاتب إلى مصر ، وزوال دولة بني طولون ، فسكن محمد بن سليمان بدار الإمارة في العسكر عند المصلى القديم ، وكان المصلى القديم حيث الكوم المطلّ الآن على قبر القاضي بكار ، وما زالت الأمراء تنزل بالعسكر إلى أن قدم القائد جوهر « 2 » من المغرب ، وبنى القاهرة المعزية ، ولما بنى أحمد بن طولون القطائع اتصلت مبانيها بالعسكر ، وبنى جامعه على جبل يشكر ، فعمرها هنا لك عمارة عظيمة تخرج عن الحدّ في الكثرة ، وقدم جوهر القائد بعساكر مولاه المعز لدين اللّه في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة ، والعسكر عامر إلّا أنه منذ بنيت القطائع هجر اسم العسكر ، وصار يقال : مدينة الفسطاط والقطائع ، وربما قيل : والعسكر أحيانا ، فلما خرّب محمد بن سليمان قصر ابن طولون ، وميدانه بقي في القطائع مساكن جليلة حيث كان العسكر ، وأنزل المعز لدين اللّه عمه أبا عليّ في دار الإمارة ، فلم يزل أهله بها إلى أن خربت القطائع في الشدّة العظمى التي كانت في خلافة المستنصر أعوام بضع وخمسين وأربعمائة ، فيقال : إنه كان هناك زيادة على مائة ألف دار سوى البساتين ، وما هذا ببعيد ، فإنّ ذلك كان ما بين سفح الشرف الذي عليه الآن قلعة الجبل ، وبين ساحل مصر القديم حيث الآن الكبارة خارج مصر ، وما على سمتها إلى كوم الجارح ، ومن كوم الجارح إلى جامع ابن طولون ، وخط

--> ( 1 ) المارستان : تعني بيت المرضى أي المستشفى ( مصطلحات محمد رمزي ) . ( 2 ) جوهر بن عبد اللّه الرومي أبو الحسن . كان من موالي المعز لدين اللّه الفاطمي صاحب إفريقية سيره إلى مصر فدخلها سنة 358 ه وأرسل الجيوش لفتح بلاد الشام وضمها إليها وهو الذي بنى القاهرة والجامع الأزهر توفي سنة 381 ه . الأعلام ج 2 / 148 .